صفقات الترحيل "الأمريكية-الإفريقية" تتصاعد في ظلّ غياب الشفافية الحكومية

  • الرئيسية
  • صفقات الترحيل "الأمريكية-الإفريقية" تتصاعد في ظلّ غياب الشفافية الحكومية
Cass Banener Image
صفقات الترحيل "الأمريكية-الإفريقية" تتصاعد في ظلّ غياب الشفافية الحكومية

صفقات الترحيل "الأمريكية-الإفريقية" تتصاعد في ظلّ غياب الشفافية الحكومية

نشر معهد الدراسات الأمنية (ISS Africa) بتاريخ 19 مايو 2026 تقريراً بعنوان "صفقات الترحيل الأمريكية-الإفريقية تتصاعد في ظلّ غياب الشفافية الحكومية"، من إعداد إيميه-نويل مبيوزو، كبيرة مستشاري الأبحاث في ملفّ الهجرة بالمعهد. 

يرصد التقرير التصاعد المتسارع في الاتفاقيات السرية التي أبرمتها إدارة ترامب مع دول إفريقية لقبول مهاجرين مرحَّلين من دول ثالثة، في مقابل إغراءات اقتصادية وأمنية أو تجنُّباً لعقوبات. ويحذر التقرير من أن هذه الصفقات، التي تجري بعيداً عن الرقابة البرلمانية والإعلامية، تُقوِّض الديمقراطية وسيادة القانون في الدول الإفريقية المعنية، وتُحوّل القارة إلى "منطقة إلقاء" للمهاجرين الذين لا صلة لهم بها. 
 

وتالياً الترجمة الكاملة للتقرير: 

  

الصفقات السرية المتزايدة لقبول مهاجرين مرحَّلين من دول ثالثة على حساب الولايات المتحدة تنخر في الديمقراطية ولا تخدم مصالح الدول الإفريقية. 

طوال عام 2026، تواترت تقارير - صادرة في معظمها عن صحافيين ومنظمات غير حكومية - تتحدث عن عمليات ترحيل مهاجرين من دول ثالثة من الولايات المتحدة إلى دول إفريقية. 

في الثامن عشر من إبريل، وصل خمسة عشر شخصاً من دول أمريكا الجنوبية إلى كينشاسا عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعد أن رحّلتهم الولايات المتحدة. ولم يعلموا بوجهتهم إلا قبل أربع وعشرين ساعة من المغادرة، وقضوا رحلتهم التي امتدت سبعاً وعشرين ساعة مقيّدين بالأصفاد. وتضغط عليهم حكومة الكونغو حالياً للعودة إلى بلدانهم الأصلية. وقد أصدر قاضٍ أمريكي منذ ذلك الحين أمراً بإعادة إحدى النساء، مشيراً إلى احتمال كون ترحيلها قد جرى بصورة غير مشروعة. 

لقد تحوّلت الولايات المتحدة من دولة تروّج للديمقراطية وتنتصر لقواعد النظام الدولي، إلى دولة تمارس دبلوماسية مفرطة في قسوتها تجاه تعامُلاتها العالمية، تتضمن التهديد وتوظيف القوة الاقتصادية والعسكرية، والاستغلال الوظيفي لتبعية المساعدات، بهدف الضغط على الدول الإفريقية لإجبارها على قبول مهاجرين مرحَّلين من دول ثالثة. 

وقد أبرمت كثير من الدول الإفريقية اتفاقيات بهدف تفادي الرسوم الجمركية أو القيود المفروضة على التأشيرات، أو للحصول على تمويل أو دعم أمني. لكن ضمانات الرقابة والمساءلة المحيطة بهذه الصفقات باتت غائبة، وتفاصيلها لا تخضع لأي تدقيق عامّ، مما يُصعّب على المواطنين مساءلة حكوماتهم، ويُعرِّض الديمقراطية لتآكُل متزايد. 

كانت عملية ترحيل الثامن عشر من إبريل الأولى ضِمن عدد غير محدَّد من الأشخاص الذين تعتزم الولايات المتحدة ترحيلهم إلى الكونغو في إطار اتفاقية للتعاون في ملفّ الهجرة. وتقول الحكومة الكونغولية: إن الخطة تتوافق مع التزامها بحماية حقوق المهاجرين ومبدأ التضامن الدولي. 

في ديسمبر 2025، وقَّع البَلدان اتفاقية تمنح الولايات المتحدة حقّ الوصول المفضَّل إلى احتياطيات الكونغو من الكوبالت والتنتالوم والليثيوم والنحاس. وتمتلك الكونغو أكبر احتياطي كوبالت في العالم واحتياطيات ضخمة من معادن حيوية أخرى تسعى إليها الولايات المتحدة، فيما تسيطر الصين حالياً على ما يقارب 80% من الثروة المعدنية للكونغو. 

وفي إبريل 2026 أيضاً، رحّلت الولايات المتحدة اثني عشر شخصاً إلى أوغندا، في أول رحلة تنفيذية لاتفاقية دولة ثالثة موقَّعة في أغسطس 2025. ووصفت مجموعات قانونية أوغندية عمليات الترحيل بأنها "مهينة وصادمة ومسلوبة الكرامة"، وأعلنت عزمها الطعن في مشروعيتها قضائياً. 

وقالت المسؤولة الحكومية الأمريكية ياسمين حبراوي إن الاتفاقية مستوفية للقانون الأوغندي، مؤكدةً أنها لن "تناقش تفاصيل اتصالاتنا الدبلوماسية الخاصة". وأشارت وزارة الخارجية الأوغندية إلى أن قاضياً أمريكياً أجاز عمليات الترحيل على أساس تصنيف الولايات المتحدة لأوغندا باعتبارها دولة ثالثة آمنة للمهاجرين الذين تعذّر عودتهم إلى بلدانهم. 

في يناير وفبراير، رحّلت الولايات المتحدة سبعة عشر شخصاً "يتعذّر ترحيلهم" إلى الكاميرون - من بينهم طالبو لجوء وعديمو الجنسية من تسع دول إفريقية. احتُجزوا وتعرّضوا لتهديدات كاميرونية بالترحيل إلى بلدانهم الأصلية، على الرغم من صدور أوامر قضائية أمريكية تحول دون ذلك. 

وتعرّض صحافي للضرب على أيدي الشرطة، فيما اعتُقل أربعة صحافيين ومحامٍ حين حاولوا الوصول إلى المحتجزين في منشأة حكومية في العاصمة ياوندي. وصادرت الشرطة هواتفهم وكاميراتهم وحواسيبهم، بحجة حيازتهم معلومات حكومية حسّاسة. 

يكفل دستور الكاميرون حرية الصحافة، غير أن البلاد تحتل المرتبة 133 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة، ولها سجلّ حافل بسجن الصحافيين الذين يتناولون ملفات الفساد بالتغطية. ولم تُصدر الكاميرون أي بيان أو تعليق، فيما رفضت الولايات المتحدة تقديم أي تفاصيل. 

منذ الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، أبرمت الولايات المتحدة ترتيبات مماثلة مع بوروندي والرأس الأخضر وجمهورية إفريقيا الوسطى وليبيريا وليبيا ورواندا وغينيا الاستوائية وغانا وسيراليون وجنوب السودان وإسواتيني. ويُشار إلى أنها حاولت التفاوض مع ليبيريا والسنغال وموريتانيا والغابون وغينيا بيساو أيضاً. 

في المقابل، رفضت الحكومة العسكرية في بوركينا فاسو عروضاً متكررة لقبول المرحَّلين. ووصف وزير خارجيتها كارامكو جان ماري تراوري قرار الولايات المتحدة تعليق إصدار التأشيرات من سفارتها بأنه "ابتزاز". كذلك رفضت نيجيريا قبول المرحَّلين الأمريكيين، مؤكدةً أن لديها "مشاكلها الكافية"، واصفةً القيود المفروضة على التأشيرات والتهديدات بالرسوم الجمركية بأنها "ليست تبادلية بل أداة ضغط". 

خلص تقرير صادر في فبراير عن لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى أن "الحثّ على قبول عمليات الترحيل أو الإكراه عليها" بات ممارسة اعتيادية. ويكشف التقرير أن الولايات المتحدة توظّف مدفوعات مالية وضغوطاً ممنهجة عَبْر "شبكة من الترتيبات الثنائية" لإقناع الحكومات بقبول أشخاص لا صلة لهم بالدول المستقبِلة. ويشير التقرير إلى أن عمليات الترحيل إلى دول ثالثة التي شملت نحو ثلاثمئة شخص حتى يناير الماضي، كلّفت دافعي الضرائب الأمريكيين ما يزيد على أربعين مليون دولار. 

أما التكاليف المترتبة على الشفافية والديمقراطية فهي أفدح وأثقل. فتفاصيل هذه الصفقات غير متاحة للعموم -وحتى لأعضاء الكونغرس الأمريكي وفقاً للتقرير- وهي عادةً ما تنطوي على أموال وتنازلات، لكنها تفتقر إلى أي رقابة فعلية. 

يتساءل التقرير عما إذا كانت صفقات جانبية أو "محفّزات" مصاحبة ترافق الاتفاقيات الرسمية، مشيراً إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية لا تتابع طريقة إنفاق الأموال ولا ما يحدث للمهاجرين بعد ترحيلهم، وأن المسؤولين الأمريكيين يُوجَّه إليهم في بعض الأحيان تعليمات صريحة بعدم المتابعة. 

إن قبول مهاجرين من غير مواطني الدول المستقبِلة لا يخدم المصالح الإفريقية، وهو أمر مرفوض شعبياً. وفي أكتوبر 2025، انتقدت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ظاهرة تخارُج حَوْكَمة الهجرة، والنقل العابر للمهاجرين خارج نطاق أقاليمهم. وأدانت اللجنة إبرام مثل هذه الاتفاقيات، ودعت إلى الشفافية، وطالبت الدول بتفادي السياسات التي تُحوّل إفريقيا إلى "منطقة إلقاء" وتُجحف بالقانون الدولي. 

إن الحكومات الإفريقية التي تنخرط في صفقات ترحيل سرية إنما تُرسي سوابق تنخر في سيادة القانون والشفافية اللازمتين لديمقراطياتها وضماناتها الحقوقية، وكل ذلك لخدمة أجندة سياسية أمريكية. 

ينبغي للاتحاد الإفريقي وأعضائه اعتماد موقف مشترك يشترط الإفصاح الكامل والعلني عن كل عمليات ترحيل دول ثالثة. كما ينبغي للدول الإفريقية النظر في اشتراط الحصول على موافقة برلمانية وإجراء إفصاحات عامة. 

على المواطنين وصانعي السياسات دعم المنظمات غير الحكومية والصحافيين في توثيق المعلومات والمطالبة بحرية الوصول إليها، مما يُصعِّب استدامة الصفقات السرية. وعلى مجموعات المجتمع المدني والحكومات النظر في اللجوء إلى القضاء المحلي، وربما إلى محكمة العدل الدولية، لصَوْن قوانين الهجرة واللجوء وحقوق الإنسان وضمان المساءلة العامة. 

 



مواد ذات صلة
تراجع الديمقراطية في إفريقيا مأزق يهدد مصالح الولايات المتحدة
روسيا تركب موجة مناهضة الاستعمار في إفريقيا